جلال الدين السيوطي
64
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وأخذ عن سيبويه أيضا ، وهو الطريق إلى كتاب سيبويه ؛ لأنّا لا نعلم أحدا قرأه على سيبويه ، وما قرأه سيبويه على أحد ، وإنه لما توفي قرئ الكتاب على أبي الحسن الأخفش ، وكأم ممّن قرأه عليه أبو عمر الجرميّ ، وأبو عثمان المازنيّ . ويقال : إنّ أبا الحسن الأخفش لما رأى كتاب سيبويه لا نظير له في حسنه وصحّته وأنه جامع لأصول النحو وفروعه استحسنه كلّ الاستحسان ، فيقال : إنّ أبا عمرو الجرميّ وأبا عثمان المازنيّ - وكانا رفيقين - توهّما أنّ أبا الحسن الأخفش قد همّ أن يدّعي الكتاب لنفسه ، فقال أحدهما للآخر : كيف السبيل إلى إظهار الكتاب ومنع الأخفش من ادّعائه ؟ فقال له : أن تقرأه عليه ، فإذا قرأناه عليه أظهرناه وأشعنا أنه لسيبويه ، فلا يمكن أن يدعيه . وكان أبو عمر الجرميّ موسرا ، وأبو عثمان المازنيّ معسرا ، فأرغب أبو عمر الجرميّ أبا الحسن الأخفش ، وبذل له شيئا من المال على أن يقرئه وأبا عثمان المازنيّ الكتاب . فأجاب إلى ذلك ، وشرعا في القراءة عليه ، فأخذا الكتاب وأظهرا أنه لسيبويه ، وأشاعا ذلك ، فلم يمكنّا أبا الحسن أن يدعي الكتاب ، فكانا السبب في إظهار أنه لسيبويه ، ولم يسند كتاب سيبويه إليه إلا بطريق الأخفش ، فإن كلّ الطّرق تستند إليه . وقال أبو العباس أحمد بن يحيى عن سلمة ، قال : حدثني الأخفش أنّ الكسائيّ لما قدم البصرة سألني أن أقرأ عليه أو أقرئه كتاب سيبويه ، ففعلت ، فوجّه إليّ خمسين دينارا . وكان أبو العباس أحمد بن يحيى يفضّل الأخفش ، وكان يقول : هو أوسع الناس علما . ويحكى أنّ مروان بن سعيد المهلبيّ سأل أبا الحسن الأخفش عن قوله تعالى : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ [ سورة النساء ، الآية 176 ] ما الفائدة من هذا الخبر ؟ فقال : أفاد العدد المجرّد من الصفة . وأراد مروان بسؤاله أنّ الألف في ( كانتا ) تفيد التثنية ، فلأيّ معنى فسّر ضمير الاثنين بالاثنتين ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال : « فإن كانتا ثلاثا » ولا أن يقال : « فإن